عبد الملك الجويني

179

نهاية المطلب في دراية المذهب

والسببُ فيه أن القبضَ مستحَق على البائع ، فإذا أتى به ، وقعَ على جهةِ الاستحقاق وإن أباه المستحِق . وفي بعض التصانيف وجهٌ آخر : أن هذا لا يكون إقباضاً ما لم يقبله المشتري ، كما لو وضع مالكُ العينِ عين مالهِ ( 1 ) بَيْن يَديْ إنسان ، وقالَ : أودَعتُها عندكَ ، فهذا لا يكون إيداعاً ما لم يقبل المودَع . وهذا الوجه عندي يخرّج على قولٍ : وهو أن من عليه دينٌ حالٌّ إذا جاء به ، فهل يُجبَر مستحِقه على قبولهِ ؟ المذهبُ أنه يُجبَر ، وفيه قول بعيدٌ أنه لا يُجبرُ . والقولان ( 2 ) مشهوران ( 3 ) في الدَّينِ المؤجَّل . فإن قُلنا : لا إجبار ، فلا يكون ما جاء بهِ إقباضاً ، وإن قلنا : إنه يجبرُ ، فالظاهر أنه إقباضٌ وفيه احتمالٌ . ولا يَبعُد أن يقال : إذا لم نجعل هذا إقباضاً ، فينوب السلطانُ عنهُ ويقبضُ . ولو كان بين البائع والمشتري مسافةَ التخاطبِ مثلاً ، فلو رفعَ المبيعَ من جانبهِ ، ووضعَه على نصفِ المسافةِ الكائنةِ بينه وبين المشتري وهو يَبغي بذلك الإقباضَ ، ففي حصولِ القبضِ بذلك وجهان ، ذكرهما شيخي . ولو كان وَضَعَه دون النصف ، والمسافةُ الباقية وراء المبيع إلى المشتري أكثر من النّصفِ ، فلا يكون ما جاء به نقلاً ناقلاً للضَمانِ وإقباضاً . ولو كان الباقي من المسافة أقلَّ مما بين البائع والمبيع ، فالذي مضى إقباضٌ ؛ فإنا لا نشترط أن نضع المبيع في حجر المشتري ، أو بالقُرب منه . وللناظر فيما ذكرناه فضلُ نظرٍ ، ومزيدُ تدبر فيه ، إذا كانت المسافةُ بين المتبايعين أكثرَ من مسافةِ التقارب والتخاطب ، وذلك بأن تكون عشرين ذراعاً مثلاً ، فلست أرى النقلَ إلى بقعةٍ بينها وبين المشتري تسعةُ أذرعٍ إقباضاً ، ويقرب أن يقال : ينبغي أن يقع المبيعُ من المشتري على مسافة تنالُ المبيعَ يدُ المبتاع ، من غير احتياجٍ إلى قيام وانتقال .

--> ( 1 ) في ( ه‍ 2 ) : ملكه . ( 2 ) في ( ه‍ 2 ) : القولان ( بدون واو ) . ( 3 ) ساقطة من ( ه‍ 2 ) .